الخبير الدولي و الأستاذ بجامعة حلوان و رئيس شعبة الميكانيكا
المشهد الجيوسياسي الراهن يؤكد أن الصين باتت تمتلك استراتيجية متكاملة الأركان تتجاوز مجرد الاستعراض العسكري الميداني إلى إعادة بناء قواعد النظام الدولي برمتها. تحركات الرئيس الصيني شي جين بينغ المقررة بين مشاركته في قمة منظمة شانغهاي للتعاون ومحطته الاستراتيجية في القاهرة، وصولاً إلى قمته المرتقبة مع ترامب في واشنطن، تشكل سلسلة متصلة لوضع القوة الأمريكية أمام أمر واقع جديد.
حضور الرئيس الصيني قمة منظمة شانغهاي للتعاون في بيشكيك بقرغيزستان يكرس النفوذ الصيني في المدى الحيوي الأوراسي، محولاً المنظمة من مجرد تكتل أمني إقليمي إلى ركيزة جيواستراتيجية في مواجهة المنظومات الغربية.
أما زيارة شي التاريخية إلى مصر فتكتسب أهمية جيوسياسية مضاعفة؛ كونها تأتي في أعقاب تدريبات جوية عسكرية مشتركة (صقور الحضارة 2026) وشراكات تقنية صاعدة في مجالات الذكاء الاصطناعي.
وفي رسالة سياسية لافتة دعا بينغ مصر والصين إلى المضي قدما "كتفا إلى كتف" في مواجهة التحولات والاضطرابات التي يشهدها العالم، والعمل معا للدفاع عن العدالة والإنصاف الدوليين.
وهو ما قد يعني دخول بكين إلى عمق الشرق الأوسط عبر بوابة مصر لتأمين خطوط التجارة البحرية عند قناة السويس ومضيق باب المندب، وتقديم الصين كشريك أمني واقتصادي موثوق ودائم، في وقت تتأرجح فيه الاستراتيجية الأمريكية بالمنطقة بين الانكفاء والاندفاع الاضطراري.
في المقابل، فإن الزيارة التي قام بها دونالد ترامب إلى بكين كانت كاشفة عن حجم التنافس الذي وصل إلى حد الندية، فلم تسفر تلك الزيارة عن تنازلات صينية ملموسة فيما يتعلق بالصناعات المتقدمة، التعريفة الجمركية، أو إعادة تنظيم سلاسل الإمداد العالمية. بكين أدارت المحادثات باستراتيجية النفس الطويل، واستفادت من الرغبة الأمريكية في تحقيق انتصارات إعلامية سريعة دون تقديم مقابل استراتيجي، مما أظهر حدود القدرة الأمريكية على فرض الشروط الاقتصادية على ثاني أكبر اقتصاد في العالم.
لقاء واشنطن القادم لن يكون مجرد بروتوكول دبلوماسي، بل يتوقع أن يشكل نقطة مفصلية لاختبار موازين القوى. غير أن الفرضية القائلة بـ "تقسيم محدد ومريح لمناطق النفوذ" تظل مستبعدة لعدة أسباب، منها، عدم التكافؤ الاستراتيجي، فواشنطن ترغب في كبح التمدد الصيني دون دفع تكلفة المواجهة المباشرة، بينما تخطط بكين لترسيخ نفوذها كأمر واقع في المحيط الهادئ والشرق الأوسط وأفريقيا.
في حقيقة الأمر، تكمن معضلة الردع الصيني في أن بكين ترفض فكرة تحديد نطاق حركتها داخل حدودها الإقليمية، بل على العكس فهي ستسعى لاستغلال القمة لفرض معادلة "الند للند"، حيث تطالب واشنطن بالاعتراف بمصالحها الحيوية في تايوان وبحر الصين الجنوبي مقابل الاستقرار التجاري.
وهناك أيضاً المتغيرات التي تحدث في الواقع الميداني، فالزيارة تأتي في وقت تدرك فيه واشنطن أن الفجوة الصناعية والعسكرية تتسع لصالح بكين خاصة في المنطقة القريبة من القارة الآسيوية، ما يجعل أي اتفاق مجرد تنظيم لإدارة الصراع بدلاً من تقاسم دائم للنفوذ.
فمشاركة البحرية الصينية في تدريبات شرق تايوان بالتعاون مع بحرية أجنبية كإندونيسيا يمثل نقطة تحول ناعمة، ولكنها جريئة، وهي لم تعد تكتفي بالدفاع عن حدودها الساحلية، بل تؤسس لشرعنة وجودها في المحيطين الهندي الهادئ عبر شراكات عسكرية متعددة الأطراف، وهو ما يكسر الطوق الذي حاولت واشنطن فرضه عبر تكتلات مثل أوكوس والحوار الأمني الرباعي (كواد).
على نفس النهج يمكن قراءة تصعيد خطاب بكين تجاه طوكيو والاستعراض الميداني أمام الفلبين اللذين يعكسان ثقتها في تفوقها العددي واللوجستي المحتدم في المياه القريبة.
الصين نجحت فعلياً في تطبيق سياسة ملء الفراغ التدريجي، وقرأت ارتباك الأولويات الأمريكية بدقة؛ وزيارات شي بينغ المتتابعة تؤكد أن بكين لم تعد تنتظر موافقة واشنطن لترسيم حدود نفوذها الدولي، بل تفرض هذا النفوذ عبر شبكة من التحالفات الاقتصادية والعسكرية المتشابكة.
لو نظرنا إلى مجموعة بريكس، فإنها لم تعد مجرد منتدى لاقتصادات صاعدة، بل تحولت إلى مشروع هندسة مالية بديلة يسعى لتقليص الاعتماد على نظام سويفت والهيمنة المطلقة للدولار. التوسع في التعامل بالعملات المحلية وتطوير شبكات تسوية مالية مستقلة يمنح الصين حماية استباقية من أدوات العقوبات الغربية، ويمنح دول الجنوب العالمي خيارات اقتصادية لم تكن متاحة من قبل.
في نفس الوقت، هناك عملية إعادة لتشكيل النفوذ في الفناء الخلفي للولايات المتحدة الأمريكية، ويتبدى هذا في وصول النفوذ الصيني إلى أمريكا الوسطى والمحيط الهادئ الذي يمثل تطبيقا عملياً لاستراتيجية الرقعة المفتوحة؛ بكين تفعل في النصف الغربي من الكرة الأرضية ما كانت واشنطن تفعله في الشرق الأقصى. التنافس أصبح مزاحمة كاملة للنفوذ في مجالات الطاقة، التقنية، الموانئ الفضائية، ومبيعات السلاح.
الواقع يؤكد أن القوة لا تعتمد فقط على الوجود العسكري المباشر، بل في الحفاظ على زخم الإنتاج والتركيز الاستراتيجي؛ وهو ما تبرع فيه الصين حالياً بينما تجد واشنطن نفسها مجبرة على إطفاء الحرائق في أكثر من جبهة في وقت واحد.
المأزق الحقيقي لواشنطن يكمن في عدم قدرتها على إتمام الانعطاف المحوري نحو آسيا. تحويل الأصول الاستراتيجية وحاملات الطائرات مراراً وتكراراً نحو الشرق الأوسط لمواجهة الأزمات المتصاعدة يفرغ الاستراتيجية الأمريكية في المحيط الهادئ من مضمونها الميداني. هذا التشتت التكتيكي يحدث في وقت تتقدم فيه الصين بسرعة فائقة في قدراتها الصناعية العسكرية وشبكات الإمداد.
وفي مؤشرات الرأي العام العالمي، يظهر مسح بارز لمركز "بيو" للأبحاث إلى أن الصين باتت تتقدم على الولايات المتحدة في بعض مقاييس القبول الدولي، بالتزامن مع تراجع الثقة في القيادة الأمريكية خاصة خلال فترة الرئيس ترامب الثانية. لعقود، كان الافتراض الأساسي الذي تقوم عليه السياسة الدولية بسيطاً ويتلخص في العبارة التالية وهي أن "القوة الأمريكية، هي التي تثبت النظام".
حتى أقرب الحلفاء لواشنطن وهو الاتحاد الأوروبي بات محاصراً بين الضغط الأمريكي والوزن الاقتصادي الصيني، ومع ذلك اضطروا أن يكونوا قريبين من واشنطن لأن البديل، بدا لهم أكثر خطورة. هذا الافتراض يختبر الآن، وتشير الأدلة إلى أنه قد لا يصمد بعد فترة دونالد ترامب الثانية.
حجم التراجع والانكفاء الأمريكي أصبح كميا وملموسا. قرارات إدارة ترامب بالانسحاب من 66 منظمة دولية، وتجميد المساعدات الخارجية، خلقت فراغا هائلا في منظومة الحوكمة العالمية، وهو ما يمنح بكين فرصة جيدة لملء هذا الفراغ بطريقة انتقائية واستراتيجية، وليس عبر استنساخ نموذج الهيمنة التقليدية الأمريكية .
بالفعل، الصين لا تحتاج إلى أن تحل محل أمريكا بالكامل لكي تنتصر في معركة النفوذ؛ يكفيها أن تجعل العالم أقل اعتماداً على واشنطن وحدها.